محمد محمد أبو ليلة

217

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

طبيعة القرآن الذي يقول اللّه فيه : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ( 82 ) ( النساء : 82 ) « 1 » . نقول إن هذا الكلام الذي وردت به الروايات المختلفة لو جمعناه بحيث شكلنا منه نصا واحدا كان هذا النص متناقضا مضطربا ، وقلقا شاذا ، لا ينسجم في نفسه كالقرآن ، ولا ينسجم في موضعه من سورة لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا فالسورة يبدو عليها أنها تامة في معانيها ومبانيها ، كاملة في موضوعها ابتداء وانتهاء ، لا تحتاج إلى مزيد من الألفاظ أو المعاني . هذا فضلا عن أن الكلام الذي جاء بالحديث لا ينسجم مع المعاني الكلية للسورة ؛ فموضوع إنزال المال ، وموضوع الطمع الإنساني ، كل هذا ، لا موضع له في السورة ولا تمت بأدنى سبب إلى موضوع السورة ، ثم إن عبارة القرآن وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ أرقى وأنصع وأبين وأوقع من العبارات الملفقة ( الحنيفية المسلمة غير المشركة ) ذلك الكلام الذي يتفصد سذاجة ، وهو إلى التفسير البسيط أقرب منه حتى إلى حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثم إن عبارة ( إنزال المال لإقام الصلاة ) كما في إحدى الروايات " وإيتاء الزكاة " كما في الرواية الأخرى كلام ساذج فالمال لم ينزله اللّه تعالى ، وليس في القرآن شيء من ذلك البتة ؛ والذي جاء في القرآن أن اللّه ( يؤتى المال ) والصواب أن اللّه ينزل الممول لا المال ، وأن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة كما قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، والمال إنما جعل لعمارة الحياة وإقامة الدنيا والدين معا . وربما كان المال أكثر أهمية لإدارة شؤون الدنيا ، وأما الدين والصلاة فيقامان بالعمل الصالح لا بالمال ؛ بل إن المال إذا تجرد صاحبه من التقوى يقعد به عن الدين ، ويثبطه عن الصلاة وعن سائر الفروض والتكاليف الشرعية . والشيء نفسه يقال بالنسبة للزكاة فالمال لم ينزل ولم يؤت لإخراج الزكاة بل للعمل والاستثمار ثم إن إخراج الزكاة مترتب على نماء المال . والمال ينفق في جميع أنواع البر والقربات وفي قضاء المصالح والحاجات ، وليس في إخراج الزكاة فقط وهذا هو أبيّ

--> ( 1 ) أبو الفضل بن الحسن الطبري مجمع البيان في تفسير القرآن 1 / 21 . ومقدمتان في علوم القرآن ص 85 . وعبد الوهاب حمودة القراءات واللهجات 78 ، 79 .